قبائل الساهو وقوانينها العرفية

من سمات الحضاره لأي مجتمع التعايش السلمي بين افراده ومن جاورهم بايجاد قانون يكفل حقوق الجميع.

قبائل الساهو صاغت قوانينها العرفية منذ القدم وكانت القيم الإنسانية والعادات والتقاليد هى الركيزة الاساسية لهذه القوانين.  وبعد دخولهم الى الإسلام تبنت قبائل الساهو  احكاما قضائيا مبنية على الشريعه الإسلاميه دون أن تتخلى عن قوانينها العرفية التى توارثتها عبر الاجيال, وكان القاضى يتولى قضايا الشريعه كالزواج والطلاق والميراث    وبينما اعيان القبائل كانوا يشرفون على قضايا الخلافات والنزاعات بين افراد المجتمع  مستندين على القوانين العرفية و التى لا تتعارض أصلا مع  الشريعة.

لقد دافعت قبائل الساهو بشدة عن حقها في ممارسه قوانينها العرفيه وحماية القضاء الشرعي لما يقارب الألف سنه بالرغم من حملات عدائيه  شرسة وتعاقب دول استعماريه على ارتريا ومحاوله هذه القوى فرض قوانينها المدنية الا ان قبائل الساهو كانت متمسكه بممارسه حقها في  تطبيق  قوانينها الشرعيه و العرفيه معا, حيث كانت دائما ترى ان الشريعه هى فوق قانون الدوله ولا يمكن العبث بها. وهناك حوادث وامثله كثيره في هذا المضمار عبر التاريخ ربما نتناولها في مقالات اخرى

ان للساهو اتفاقيات وعهود مع المجتمعات المجاوره لحمايه مصالح المجتمعات القبليه وعلى سبيل الذكر  الاتفاقية المشهورة  مع متحدثى التغرينة فى اكليغزاى والتى تسمى  ب” معى محزو”.  ان مثل هذه الأتفاقيات والعهود والقوانين كانت ضمانا للتعايش السلمي, وحسن الجوار,مما أدى الى علاقات وطيده بين المجتمعات , وكانت هناك أيضا اسواق مشتركه في المنطقه فمنها اسواق اسبوعيه و سنويه, وهذه الأسواق كانت آمنه بفضل القوانين والأتفاقيات والعهود التي اقيمت بين المجتمعات في المنطقه.

لقد قفزت قبائل الساهو في القرن الماضي قفزات تاريخيه تجاه الأنفتاح على الآخرين بتطوير وصياغه  وكتابة وتوثيق قوانينها العرفيه المبنية على نظام القضاء الشرعي, وهذه هى من سمات الحضاره في المجتمعات

ولشرح بعض  هذه القفزات النوعية نذكر كيف تم تعيين قاضي واحد لمنطقة معينة بدلا من تعيين قاضى لكل قبيلة لوحدها. وقبل ذلك ولمدة أربعمائة عام واكثر كان يعين القاضى لقبيلة معينة دون سواها.  فمثلا كان لقبائل المينفري قاضي من  المينفري, وقاضي لقبائل أساورته من اساورته, ولا يتولي قاضي من اساورته في القضاء داخل  المينفري ,والعكس صحيح .

ففي 1930 توفي قاضي عبدالله علوان رحمة الله عليه وهو قاضي لقبائل  المينفري . على اثر ذلك اضيفت قضاء قبائل المينفري الى القاضي ابراهيم بن  عبدالله (وهو من  بيت فقيه, بيت ليليش عرى من ألأساورته), وهكذا اصبح القاضي ابراهيم بن عبدالله القاضي الشرعي لعموم قبائل الساهو بعد ان كان قاضي لقبائل الأساورته فقط, منذ تلك التاريخ اصبح القاضي يعرف بقاضي المنطقة( قاضي مدينه عدي قيح اوقاضي مدينه صنعفي ) وانتهى عصر قاضي القبيله

وجدير بالذكر بأن القاضي ابراهيم هو اول من لقب بالقاضي وكان جميع من سبقوه من قضاة الأساورته يلقبون بالفقيه ابتداء بالفقيه سليمان بن شوم احمد كربيا اول قاضي لقبائل الأساورته. فكلمه الفقيه كانت شامله لتجمع علماء الدين والقُضاة

هنا بدء التطور الفكري في التنوع وقبول الآخر عند قبائل الساهو و اعتماد منهج الكفاءه العلميه في المناصب بدلا من الإنتساب القبلي, وبالرغم ان منصب القاضي كان من اعلى المناصب في السلطه داخل القبائل ومعتمد من السلطات وله مكانته الأجتماعيه الا ان هذه القبائل تخلت عن عصبيتها القبليه وكللت المناصب بالكفاءه العلميه.

هذه القفزه التاريخيه والحضاريه عقبتها قفزه اخرى في صياغة وتطوير وتوثيق القانون العرفي لقبائل الساهو بما يكفل حقوق جميع ابناء قبائل الساهو مما ادى الى تكليل القانون العرفي لمسلمي اكلي غوزاي بثوبه الجديد عام 1943

وقد قام   ممتلوقبائل الساهو بجمع و بمراجعة و صياغه القانون العرفي لمسلمي اكلي غوزاي  وتم التوقيع عليه  في يوم الجمعة 15 ذي القعدة سنة 1362 هجرية الموافق 13 نوفمبر سنة 1943  من قبل بعض النظراء الآتية اسمائهم:

 ناصر باشا شوم أبوبكر

كفلير أوفيشال علي بيك محمد

 كفلير أونه علي بن شوم سليمان

 فيتوراري عبد الله سليمان

ويتكون القانون من ثمانيه فصول ويحتوي على 191 ماده

وهكذا تمكنت قبائل الساهو من تحقيق قفزات تاريخيه وحضارية بتجاوز الألف سنه باءعتمادها القانون العرفي والقضاء الشرعي معا, وقرابه القرن من الأنفتاح والتنوع.

بقلم: طه محمد سراج

————————————

المراجع:

  • مذكرات سماحه المفتي ألشيخ ابراهيم المختار مفتي الديار ألأرتريه
  • allsaho.com ( لقانون-العرفى-لمسلمى-اكلغزاى)

 

 

  • Said Sheikh Siraj

    اتفق معك تماما اخي الكريم اهمية هذه القوانين تكمن في انها تبين بوضوح و جلاء عظمة جيل الاباء و الاجداد و تمسكهم بدينهم و ارضهم و هويتهم للدرجة التي سمحت لهم ان يفرضوا علي المستعمر ان يتحاكموا الي قانون محلي مستمد من دينهم و كما تفضلت من الصعب تطبيق هذه القوانين اليوم لاننا في نهاية الامر جزء من الدولة الارترية و قوانين الدولة تسير علينا كما تسير علي شركاءنا في الوطن و بالتالي ليس المطلوب تطويرها بل المحافظة عليها كارث تاريخي حتي تكون لنا حافز لنسير في خطي الاولون

  • Said Sheikh Siraj

    جهد مقدر اخي الكريم لتسليط الضوء علي هذا التاريخ المشرف الذي
    سطره الاباء والاجداد بالعزيمة و الجهد والإرادة، و التضحيات الجسام

  • تاج الدين

    نشكر الاستاذ/ طه على هذا المقال ونال اعجاب وتقدير كل من قرأه وخاصة المهتمين بتاريخ الساهو وقوانينها الذي ينسجم مع روح الاسلام كما ننتظر من كاتبنا القدير مزيد عن تاريخ واحداث وتراث الساهو/ تاج الدين شيخ سراج

  • Taha Mohamed Siraj

    السلام عليكم
    شكرا أستاذ محمود لأهتمامك, للاسف ليس لدي معلومات ما اذا اكان احد قام بالدراسه لهذه القوانين ونتمنى من الاخوه القراء ان يفيدونا بمعلومات فى هذا الاطار
    ولكن هولاْ الرجال الذين صاقوالقانون العرفى اخذو فكره ومبداء التطور وخبراتهم للعمل في اطار اوسع على مستوى المحافظه او على مستوى الوطن, على سبيل المثال ولا على سبيل الحصر
    ناصر باشا تراس المحكمه الأهليه العرفيه بعدى قيح وهوكان احد الذين صاقوا واعتمدوا القانون العرفي لقبايل الساهو
    اؤنا علي جاسر عضو البرامان الارترى وهو احد العمداء الذين صاقو القانون العرفي لقبايل الساهو
    وهذا التطور كان كفيلا وحافظ لتطلعات ابناء قبايل الساهو, للعمل فى اطار الوطن فى قيادات الاحزاب وفى البرلمان الارترى وفى مجلس التشريعى الامبراطورى

    طه محمد سراج

  • Mahmud Osman Jasir

    السلام عليكم جميعاً.
    مقال جميل يااستاذ طه. فعلاً نحن بحاجة لمثل هذه المقالات حتى نعرف ماقام به ابانا وأجدادنا من الجهود والعمل الجاد للحفاظ على الهوية والتراث، الحفاظ على علاقة بعضهم ببعض، انتزاعهم نوع من الاستقلال الذاتي، وادراك منهم بانهم لا يستطيعون ان يعيشون منفردين مهما توفرت الامكانيات كانت لديهم عهودات واتفاقيات مع من حولهم، كااتفاقية “معي حزو” كما ذكرت.

    القوانين العرفية التي ذكرتها وضعت قبل اكثر من 70 سنة، والامور في اريتريا الان اكثر تعقيداً مما كانت عليه. ولضمان استمرار ية اي قانون والحفاظ عليه يحتاج ان يتطور مع الزمن.

    وانا اتسائل، هل هناك من قام بدراسة هذه القوانين وحاول تطويرها حتى تواكب زماننا؟

    اخوكم، محمود عثمان جاسر – لندن