|
دراسة
حول سيرة الشيخ إبراهيم المختار
ودوره في الحركة الوطنية
الإريترية *
للباحث الدكتور: جوناثان ميران
منذ تعيينه كمفتى عام للديار الإريترية من قبل سلطات الاحتلال الإيطالية في العام
40
19، احتل الشيخ إبراهيم المختار مكانة
مركزية ضمن المجتمع الإريتري
المسلم. وكعالم وكاتب مؤمن بخصوصية تاريخ وطنه وشعبه، عمل الشيخ على تأسيس
وتطويرالمؤسسات الإسلامية في إريتريا كما كان له دوره البارز في الحركة الوطنية
والكفاح الوطني وخاصة ضمن الأنشطة المناهضة للوجود الأثيوبي. فتاريخ هذا الرجل يتيح
في الحقيقة إلقاء نظرة أخرى غنية على إحدى المراحل الحرجة في التاريخ الإريتري
المعاصر.
لايزال التاريخ الإريتري اليوم بحاجة للدراسة والبحث(1). فاستقلال
إريتريا في العام 1993م، سهل كثيرا على الباحثين والمؤرخين الدخول للبلد والتنقيب
في المصادر الوثائقية لتاريخها. فالهدف الآن سد بعض الثغرات في المعرفة التاريخية
لإريتريا والقيام بالمزيد من القراءات النقدية للخطاب المهيمن(2).
وتهدف هذه الدراسة لإلقاء بعض البنود على المرجعيات والشخصيات صاحبة الدور المركزي
في تأسيس وتطوير المؤسسات والمعاهد الإسلامية في إريتريا خلال النصف الثاني من
القرن العشرين. فالشيخ إبراهيم المختار أحمد، كان المفتي العام في إريتريا منذ
العام1940م وحتى وفاته في العام 1969م، كما كان قاضيا مسلما مقتدرا فضلا عن كونه
مربيا ومؤرخ ورجلا وطنيا ترك بصماته الواضحة من خلال أنشطته ومواقفه الوطنية وأيضا
من خلال سلطته الروحية والمعنوية في هذه الفترة الحرجة من التاريخ الإريتري. فقد
واجه الشيخ إبراهيم كافة الضغوطات والصراعات الداخلية التي كان عليه التعامل معها
بواقعية(3).
ومقارنة مع الفترات السابقة من التاريخ الإريتري، عقد سنوات 1940- 1960م غنية
بالمواضيع و الجدالات التي لا يتسع الحيز تناولها بالتفصيل هنا(4).
والجدير بالملاحظة هنا أن الكتابات والأبحاث حول السيرة الذاتية حول الشيخ إبراهيم
المختار تساهم بشكل كبير في تحقيق معرفتنا بالأحداث التاريخية التي هزت إريتريا
خلال هذه المرحلة. كما أن السيرة الذاتية للشيخ المفتي، تتيح لنا حذف بعض الأسئلة
والقضايا المهمة المرتبطة بتطور الهوية الإريترية من جهة وبتاريخ المسلمين
والمؤسسات الإسلامية في البلد من جهة ثانية. فقد لعب الشيخ إبراهيم دورا فاعلا في
تأسيس ودعم الأحزاب و الحركات الاستقلالية التي ظهرت خلال سنوات الأربعينيات. إلا
أن هذا الدور بقي مقيدا بعض الشيء بسبب الوظيفة العامة التي كان يشغلها كمفتي ديني
وهي وظيفة بعيدة عن مجال السياسة، وبرغم ذلك فقد كان الشيخ إبراهيم يسعى لنوع من
الالتفاف على هذا الوضع بقصد ممارسة أكبر قدر من التأثير المتماشي مع قناعته
الوطنية. فمنذ العام 1952م وحتى وفاته في العام 1969م، في ظل الوجود الأثيوبي،
استغل الشيخ إبراهيم موقعه وسلطته الوظيفية من أجل الاحتجاج بقوة على ضروريات
وتجاوزات السلطات الأثيوبية مع مراعاة موقعه الوظيفي. وتبرز كتابات الشيخ إبراهيم
انه كان أحد الكتاب القلائل الذين حاولوا دفع الروح الوطنية نحو كتابة التاريخ،
فضلا عن وصف المجموعات السكانية والمدن والمؤسسات في إريتريا، وبفضل وعيه العميق
بالرابط بين التاريخ والهوية الإريترية، فقد كان على قناعة بضرورة أن يكون لإريتريا
تاريخها الخاص. وكباحث مسلم، نظر الشيخ إبراهيم على أنها بلاد ثقافة إسلامية قديمة
وذات اتصال بالعالم الإسلامي والإسلام منذ سنواته الأولى، كما اعتبرها وحدة تاريخية
سابقة زمنيا لظهور هذا الدين.
من ناحية أخرى، يعد الشيخ إبراهيم- كمفتي عام- من أبرز الشخصيات المساهمة في تكوين
بنيات المجتمع الإريتري المتنوع عرقيا والمتعدد اجتماعيا.إذ بذل جهودا كبيرة في
سبيل توحيد ومركزة المؤسسات القانونية والتربوية والدينية وترسيخ الممارسات الدينية
الإسلامية في البلد. كما جمع –بصبر ومثابرة- الكثير من المعلومات حول المسلمين
ومؤسساتهم خلال المراحل ما قبل الكولونيالية ثم خلال فترة الاستعمار وصولا للزمن
المعاصر، ووضع دراسات مفصلة حول أبرز محاور ومقاربات التاريخ الإسلامي للبلد.
وتطلعنا السيرة الذاتية للشيخ إبراهيم على المزيد حول ما كان عليه حال هذا الباحث
المسلم في إريتريا المعاصرة، بدءا ببواكير تكوينه الديني وما اعتراه من تأثيرات
وطنية وأيديولوجية مرورا بروابطه مع بلدان شمال شرق أفريقيا، وبخاصة مصر والسودان(5) .
وقد أمكننا تتبع هذا المسار من خلال الاطلاع على السيرة الذاتية للشيخ إبراهيم وبعض
كتاباته الشخصية التي جمعها وعلق عليها أحد أبنائه في مؤلف قيم(6)،
وأيضا من خلال بعض اللقاءات المباشرة التي أجريناها في أسمرا خلال سنوات 1999-2000
وبعض المصادر الأخرى المكتوبة التي ساهمت في تكوين وتكميل هذه الصورة.
النشأة والتكوين: من أكلي قوزاي إلى
القاهرة (1909-1940)
ولد الشيخ إبراهيم المختار أحمد عمر في العام 1909م (1327هـ)، بمنطقة أنكوتو بإقليم
أكلي قوزاي. ويبعد المكان الذي نشأ فيه الشيخ حوالي ثلاثين كيلومترا عن ميناء الصيد
الصغير المعروف بإرافلي في اتجاه عدي قيح(7)،
وهي منطقة تسكنها عشيرة "القعسو" المنتمية لقبيلة
المنفري
الناطقة بلغة الساهو. وتنتمي عائلة الشيخ إبراهيم لفخيذة الفقيه حرك ، وهي فخيذة
وظيفتها التقليدية إنجاب وإعداد القضاة وعلماء الدين لعشائر المنفري(8).
أما والد الشيخ إبراهيم فهو الشيخ أحمد عمر كوري، وهو رجل دين أيضا تلقى تكوينه
بالحجاز واشتهر في المنطقة بمعرفته الواسعة بالفقه والشريعة الإسلامية.
وقد أظهر الشيخ إبراهيم حسا دينيا عميقا منذ سنوات عمره الأولى. وبدأ تكوينه الروحي
في المدرسة المحلية التي كان يديرها والده ، فدرس هناك القرآن الكريم وأساسيات
الفقه والشريعة الإسلامية فضلا عن مبادئ اللغة والأدب العربي. وقد حالت التزاماته
العائلية عقب وفاة والده في العام 1924م دون سفره لتحصيل العلم، وقد تمكن لاحقا من
السفر لمدينة كسلا(*) بالسودان وكان ذلك في العام 1925م حيث كان عمره
آنذاك ستة عشر عاما.
وكانت أولى مبادراته في مدينة كسلا زيارة أضرحة شيوخ الطريقة الختمية وعلى رأسها
ضريح السيد حسن الميرغني (المتوفى في 1285هـ- 1869م) ابن مؤسس الطريقة الشيخ محمد
عثمان الميرغني (المتوفى في 1268هـ- 1869م). ويشير الشيخ إبراهيم في كتاباته إلى
أنه شهر بضرورة زيارة الطريقة الختمية بسبب علاقات والده القوية مع شيوخ الطريقة
وخاصة بعد تعرفه على حفيد مؤسس الطريقة السيد عثمان تاج السر(المتوفى بمدينة سواكن
في 1321هـ-1875م)(9). لكننا لا نعرف للأسف الكثير عن طبيعة العلاقات
التي ربطت بين الشيخ إبراهيم والطريقة الختمية خلال سنوات شبابه أو في مراحل لاحقة
من حياته. وفي كسلا لم يجد الشيخ المدرسة التي تلاءم تطلعاته لكنه أقام علاقات في
المدينة مكنته في مراحل لاحقة من الانتقال لمراحل أفضل. إذ بناء على نصيحة من قاضي
مدينة كسلا آنذاك سيد أحمد ابن السيد إسماعيل، توجه الشيخ إبراهيم إلى مدينة
أمدرمان(*) وهناك تم استقباله من طرف والد القاضي والذي كان بدوره مفتيا
مقتدرا ورجل دين ذا مكانة وسمعة طيبة في مدينته.
وعقب وصوله إلى أمدرمان في العام 1925م، تم قبول الشيخ إبراهيم للدراسة بمعهد
المدينة في قسم الدراسات الإسلامية العليا. وقد كان محظوظا حينما عثر سريعا على من
يدعم ماليا مساره الدراسي وهو تاجر اسمه عبده أحمد الجعفري. وخارج ساعات الدراسة
الرسمية بالمعهد كان الشيخ إبراهيم يتلقى تعليما إضافيا في الفترة المسائية على يد
الشيخ محمد القوحي، وهو تاجر وفقيه مصري يتبع المذهب الحنفي. وبعد عامين من الدراسة
في معهد أمدرمان الإسلامي، لم يعد الشيخ إبراهيم يجد فيه ما يرضي طموحه فقرر التوجه
إلى القاهرة.
وبعد وصوله للقاهرة في العام 1926م، انهمك الشيخ إبراهيم في الدراسات التحضيرية
لدخول الأزهر، فأمضى عامه الاول في الدراسة بجامع إبراهيم آنما مصطفزان، والثاني
بجامع المارديني، والثالث في جامع الفكهاني، والرابع والخامس في جامع المؤيد،
والسادس في جامع البرقوق. وفي أغسطس من العام 1932م تم قبوله في المستوى الرابع
بجامعة الأزهر.
وفي سبيل التخطيط لعودته لإريتريا –حيث كان يرمي لأن يصبح قاضيا متخصصا- انكب الشيخ
إبراهيم على دراسة اللغة الإيطالية بمدرسة إيطالية ببولاق. وفي العام 1937، أكمل
الشيخ إبراهيم عامه الخامس بالأزهر لينال بذلك شهادة إكمال الدروس الدولية.
وفي الفترة ما بين عامي 1937-1940م، عمل الشيخ إبراهيم على تعميق دراساته وتخصص في
الفقه والأصول، كما نال دورات تدريب مهنية في بعض الأعمال بالقاهرة.
فعمل أستاذا ومحاميا بإحدى
المحاكم كما كان عضوا
في لجان القراءة للعديد من دور النشر المتخصصة في الكتب الإسلامية وخاصة دار نشر
مصطفى البابي الحلبي حيث انكب على أعمال التصحيح والتعليق والمراجعة وكتابة التقديم
للعديد من الكتب الدينية(10) كما كتب بعض المقالات حول بعض القضايا
الإسلامية في ميدان العبادات والقانون الإسلامي تم نشرها بمجلة " الإسلام" ابتداء
من العام 1938م(11). كما كتب أيضا العديد من المقالات ضد الفاشية منتقدا
بشدة النظام الاستعماري في إريتريا تم نشرها متوالية في المجلة الأسبوعية "القلم
الصريح" التي كان يديرها صديقه الشخصي الأستاذ: عبد الفتاح الرفاعي. ومن المحتمل أن
الأجواء الوطنية التي سادت مصر خلال الثلاثينيات قد
أثرت
إيجابيا على تطور وعيه السياسي كما ظهر من خلال كتاباته في هذه الفترة.
وفي أكتوبر
من العام 1939م، تم إدخال الشيخ إبراهيم إلى المستشفى وفي هذه الفترة تم إبلاغه من
قبل السفارة الإيطالية بالقاهرة بموضوع ترشيحه لرئاسة محكمة الاستئناف الشرعية
بأسمرا. وهنا تظهر بعض الكتابات الشخصية للشيخ إبراهيم نوع من التناقض، فمن جهة
كانت إريتريا بالنسبة إليه "مستعمرة خاضعة لنظام فاشى لن يعمل على خدمته"، ومن جهة
أخرى يسأل الله أن "يعينه على
تغيير الوضع" ومن سرير مرضه
بالمستشفى قبل الشيخ إبراهيم هذا الترشيح ليصبح بذلك أول رئيس لمحكمة الاستئناف
الشرعية بإريتريا(13).وفي الرابع من ديسمبر 1939 تم تعيينه في منصب
"قاضي القضاة". وفي الرابع من أبريل 1940 وطأت قدما الشيخ إبراهيم مرة أخرى أرض
إريتريا بعد غياب نحو خمسة عشر عاما قضى معظمها بمصر.
العودة لإريتريا: المفتي العام،
المعلم والوطني (1940-1952).
على الرغم من تعيينه من طرف سلطات الاحتلال الإيطالي في العام 1940، إلا أن الشيخ
إبراهيم لم يعمل تحت إشراف إدارتهم المباشرة إلا في ذلك العام وحده. حيث انه عقب
هزيمة إيطاليا على يد القوات البريطانية أثناء الحروب في شمال شرق إفريقيا وسقوط
أسمرا في الفاتح من أبريل 1941م، انتقلت إريتريا مؤقتا تحت سلطة الإدارة العسكرية
البريطانية التي كانت ترمي لتولي شؤون هذه المستعمرة الإيطالية السابقة إلى حين
صدور قرار من الأمم المتحدة يحدد ما سيؤول إليه وضعها. وابتداء من العام 1940، تم
تعيين الشيخ إبراهيم في موقع "مفتي الديار الإريترية" وهو منصب جعله المسؤول
المباشر عن المعاهد والمؤسسات الإسلامية في البلد(14).وفي يونيو من عام
1940م، أصبح مراقبا لكافة المحاكم الشرعية في الإقليم. إلا أن مهمته الأولى في
المراقبة العامة على حوالي 39 محكمة في إريتريا وأثيوبيا لم تكتمل، وذلك بسبب
تطورات الحرب وهزيمة إيطاليا.
وبرغم قصر المدة التي قضاها الشيخ إبراهيم في منصبه تحت الإدارة الإيطالية، إلا
أنها جعلته واعيا بما ينطوي عليه منصبه وموقعه هذا من تناقض. وتشير مصادر سيرته
الذاتية فيما يتعلق بموضوع رفضه الاستفادة من الامتيازات التي تخولها له وظيفته،
إلى انه كان دائم الحرص على أبقاء المسافة بينه وبين نظام الاحتلال الفاشي
لموسوليني الذي كانت تخضع له إريتريا، ومن ناحية أخرى أقام فصلا وحدودا واضحة بين
التزاماته مع الإدارة الاستعمارية وبين واجباته تجاه المعاهد والمؤسسات الإسلامية
للدولة وسعى لممارسة سلطته كمفتي للديار الإريترية. وقد ساهم هذا الأسلوب في تنظيم
مسؤولياته العامة في رسم مسار حياته المهني الذي عرف أنماطا مختلفة للأنظمة
الاستعمارية. لذا فقد رفض في نوفمبر من عام 1940م، إصدار فتوى تبيح للجنود
الإريتريين العاملين في جيش الاحتلال الإيطالي بالإفطار في شهر رمضان وكان ذلك في
مناسبة لوحدة عسكرية بالقرب من الحدود السودانية.
شكل حضور الإدارة العسكرية البريطانية في إريتريا ابتداء من العام 1940م، بداية عقد
حاسم في تاريخ تكوين الهوية الوطنية الإريترية، حيث عرفت إريتريا خلاله العديد من
الأحداث المعقدة و المتناقضة أحيانا. فمشاريع السياسة البريطانية حول مستقبل
الإقليم منذ أواسط الأربعينات فضلا عن المطالب الأثيوبية حول إريتريا، ساهمت في شق
قطب الحركات المعادية للوجود الاستعماري الأوروبي إلى معسكرين متعاكسين: أحدهما
مؤيد لمبدأ الوحدة مع أثيوبيا والآخر معارض له. وقد قاد هذا الانقسام الأيديولوجي
إلى إبراز وتبيين بعض التمايزات –الحقيقية- والحساسيات التاريخية التي كانت تعتمد
في الحقل السوسيو-اقتصادي، وساهم ذلك في تقوية الآراء المسبقة المتبادلة بين
المجموعات السكانية في إريتريا، وبخاصة بين المسلمين والمسيحيين. حيث تشكل معسكر
أنصار الوحدة مع أثيوبيا من أغلبية مسيحية من سكان المرتفعات الذين كانوا يعتبرون
أنفسهم جزء من الكيان التاريخي لأثيوبيا، وقد أسسوا حزبهم –حزب الوحدة مع أثيوبيا-
في العام 1944م. بينما تشكل المعسكر المعادي من أغلبية مسلمة من سكان الأراضي
المنخفضة.
وقد عارض هذا المعسكر كل شكل من أشكال الوحدة مع أثيوبيا، ورأى أن من شأن مثل هذه
الخطوة أن تحيل المجموعات المسلمة إلى مجرد أقلية سياسية ودينية. وكان حزب الرابطة
الإسلامية الذي تأسس في ديسمبر 1946م، الممثل الأبرز لهذا الاتجاه(15).
فالمناخ والأنشطة السياسية المكثفة خلال الأربعينيات أبانت مرة أخرى عن الانقسامات
داخل المجتمع الإريتري. وقد تجلت هذه الانقسامات من خلال فترات الهوية –المجتمعية
والدينية- التي انعكست على صفحات الصحف وفي أنشطة الجمعيات والأحزاب السياسية
وغيرها من هيئات ومؤسسات المجتمع المدني. وقد أظهرت سنوات 1949 – 1950م ، أن هذه
الانقسامات قد تقود بشكل ما نحو الفوضى والعنف في المجتمع.
وفي مثل هذا السياق الاجتماعي والسياسي الصعب تأسست المعاهد والمؤسسات الإسلامية في
البلد وأصبح لها وجودها في مجال النشاط العام في إريتريا. كما أصبح حزب الرابطة
الإسلامية أرضية العمل السياسي الأولى للعديد من المسلمين. وقد انبثق هذا الحزب عن
طريق تأسيس ومركزة وتوحيد المعاهد والمؤسسات الإسلامية في البلد – وخاصة في مجالات
القضاء والتعليم- التي ساهمت بشكل كبير في تشكيل وعي المجتمع المسلم
الإريتري، وقد شهدت إريتريا منذ هذا الوقت تأسيس العديد من المدارس الإسلامية
وإصدار الصحف الناطقة بالعربية(16)، وتنظيم القضاء الإسلامي الشرعي
وتأسيس الجمعيات الإسلامية. وكان الشيخ إبراهيم المختار في قلب هذه العمليات بل كان
الملهم الأول لها. وكانت سنوات الأربعينات هي الأكثر نشاطا في مسار حياته.
وبصفته مفتيا للديار الإريترية، أخذ الشيخ إبراهيم على عاتقه أمر إعادة تنظيم نظام
القضاء الإسلامي في البلد. ومنذ قدوم السلطات البريطانية في العام 1941، أصدر الشيخ
نظام لائحة قانونية تضم 63 مادة هدف من خلالها لتنظيم المحاكم الإسلامية واتبعها
بلائحة أخرى أكثر شمولا وتفصيلا في العام 1946م تضم 207 مادة. وفي يونيو من عام
1943م قام بجولة مراقبة على حوالي سبعة عشر محكمة عبر الإقليم ووضع تقريرا ضمنه
توصياته ومقترحاته. وفي نوفمبر من ذات العام أصبح رئيسا لمجموع لجان الوقف في
إريتريا التي كانت إلى ذلك التاريخ تدار محليا. كما نظم الشيخ إبراهيم مؤتمرين
للقضاء في الثالث من يناير 1953م والتاسع من نوفمبر 1952م، تم خلالها طرح ومناقشة
كافة القضايا التي تخص المحاكم الإسلامية وتم صياغة قرارات بهذا الشأن.
ومن أجل التنظيم ورفع مستوى القضاء عمل الشيخ إبراهيم على تنظيم دورات لفائدة
القضاة، دارت حول الإجراءات وشكليات المحكمة وممتلكات القضاة والإدارة القضائية دون
نسيان التكوين الضروري في أحكام الشريعة الإسلامية. وفي سبتمبر من عام 1952م -عقب
الإصلاح القضائي البريطاني- تم تعيين الشيخ إبراهيم كأول قاضي إريتري على رأس
المحكمة العليا الإريترية تحت سلطة القاضي البريطاني، جيمس شيرر (James
(Shearer.
وفي 1953م تخلى الشيخ إبراهيم عن منصبه كقاضي للقضاة ورشح القاضي إدريس حسن سليمان
لتولي هذا الموقع – ومن أجل الحيلولة دون التضارب المحتمل بين القانون المدني الذي
وضعته السلطات البريطانية وبين أحكام الشريعة الإسلامية، أصدر الشيخ إبراهيم مؤلفا
حول القوانين العرفية لمسلمي أكلي قوزاي(18).
وفي ميدان التعليم، بذل الشيخ إبراهيم جهودا مقدرة من أجل تشجيع التعليم الديني في
إريتريا. فالتمس مساهمة الأغنياء من التجار المسلمين في تأسيس المدارس وغيرها من
المؤسسات التعليمية الإسلامية في البلد. وفي الفترة ما بين 1942 و1953م، شهدت
إريتريا افتتاح المدارس والمعاهد الإسلامية من بينها:
1942: المدرسة الخيرية الإسلامية بأسمرا، بتمويل من محمد عبيد باحبشي.
1944: مدرسة حرقيقو بمساهمة مالية أساسية من الشيخ صالح باشا احمد كيكيا.
1945: المعهد الإسلامي بأسمرا مع مكتبته، بمساعدة مالية من محمد عبيد باحبيشي وأحمد
عبيد باحبيشي، وتمت تسمية المعهد باسم "معهد الملك فاروق".
1945: تأسيس المعهد الإسلامي بمصوع من طرف الحاج أحمد عبد الرحمان هلال.
1945: المدرسة الإسلامية بعدي وقري (إقليم مندفرا) أسسها الحاج عبد الرحمان محمد
غنافر.
1951: مدرسة مصوع الابتدائية أسستها الجمعية الإسلامية الثقافية بالمدينة.
1952: المعهد الإسلامي بكرن بجانب المسجد الكبير.
ومن الضروري أيضا الإشارة لتأسيس المدرسة الإسلامية بمقاطعة أخريا بأسمرا من طرف
الحاج محمد عبدو وإخوانه، ومدرسة ماي دبر الإسلامية (أسمرا) وبعض المدارس والمعاهد
الإسلامية بأغردات وأمبيرمي(19).
ومن ناحية أخرى أسس الشيخ إبراهيم لعلاقات التعاون مع جامعة الازهر بمصر والتمس
منها الدعم المالي واللوجيستي من اجل استمرار وتطوير المدارس المؤسسة حديثا وخاصة
من خلال دعمها بالأساتذة. وقد أرسل الازهر بالفعل بعض البعثات والأساتذة للعمل في
إريتريا. وقد نشطت البعثة الازهرية الأولى ما بين عامي 1943 و1951م وكانت البعثة
الثانية ابتداء من العام 1952م. وفي العام 1946م تم تأسيس المجلس الإسلامي الأعلى
برئاسة الشيخ علي مصطفى الغرابي، رئيس البعثة الازهرية الأولى. وخلال العام نفسه
أسس الشيخ إبراهيم "رابطة الشباب المسلم". وفي مايو 1952م أصبح الشيخ إبراهيم رئيسا
لجبهة العلماء التي ساهم أيضا في تأسيسها. فمكانته كمفتي عام جعلته أحيانا في حرب
مفتوحة مع بعض الاعراف والعادات غير الإسلامية المنتشرة في أوساط المسلمين في
إريتريا، وعلى رأسها الممارسات التقليدية كالختان وتشويه أنوف النساء والمعتقدات
المرتبطة بشهر صفر(20). ولذلك فقد أصدر من التوجيهات التي تبين الاعراف
الإسلامية وغير الإسلامية ونشر العديد من المقالات التوضيحية بالصحف في هذا الشأن.
إلى جانب ذلك سعى بكل طاقته لإرشاد السكان المحليين إلى التاريخ والتقاليد
الإسلامية في الوقت الذي كان يحث فيه على أهمية تعلم اللغة العربية من خلال العديد
من المقالات التي مست موضوعات مختلفة كالتقويم الإسلامي الهجري ودروس معركة بدر
ورحلة الرسول (ص) الروحية في الإسراء والمعراج وغيرها. وقد ظهرت معظم هذه الكتابات
في "الجريدة العربية الأسبوعية"، التي تأسست في العام 1942م من قبل جهاز الإعلام في
الإدارة العسكرية البريطانية. وحاول الشيخ إبراهيم مرة أخرى تنظيم الخطب الوعظية في
المساجد من خلال الاعتماد أكثر وفتح الباب أمام خريجي الجامعات الإسلامية من
الأئمة. كما عمل على توحيد بداية الصيام والإفطار في رمضان في مختلف أنحاء البلد،
واضعا بذلك حدا لحالة الفوضى وعدم التنسيق التي كانت سائدة إلى ذلك الوقت. ومن أجل
تجذير شعور الولاء الجماعي الذي يمنحه مكانة تاريخية، عمل الشيخ إبراهيم على بناء
ما عرف ب"مقام النجاشي" وهو ملك الحبشة الذي تحول –حسبما يعتقد- إلى الدين الإسلامي
في القرن السابع(21). وتم افتتاح المقام رسميا في 11 أبريل 1954، في
احتفال ضخم بحضور بعض الشيوخ والعديد من أعيان المسلمين في إريتريا.
وعلى المستوى السياسي التحق الشيخ إبراهيم بالرابطة الإسلامية منذ السنة الأولى
لتأسيسها. فكتاباته وغيرها من المصادر تظهر بشكل جلى مدى استقلاله ونوعية قناعاته
الوطنية. كما تؤكد المصادر الوثائقية دوره البارز في تأسيس حزب الرابطة الإسلامية
في العام 1946م (22)، وبرغم أن وظيفته كمفتي عام فرضت عليه الابتعاد
شيئا ما عن الرابطة، فإن النشاطات المرتبطة بحسه الوطني كانت حاضرة على الدوام، وإن
اكتست طابع السرية في بعض الأحيان. فأشعاره ومقالاته العديدة، المنشورة بشكل أساسي
في جريدة "صوت الرابطة الإسلامية الإريترية"، تظهر بشكل واضح ارتباطه القوي بهدف
الاستقلال وحق الإريتريين في الحكم الذاتي كمجموعات سكانية ذات ارض ومصير مشترك.
ونتيجة وعيه العميق والكامل بمتطلبات موقعه الرسمي على المستوى العام، تبنى الشيخ
إبراهيم نضجا وسطيا وعمليا من شانه حفظ التوازن الضروري بين معتقداته السياسية
الشخصية ومتطلبات منصبه العام. ومابين عامي 1949 و1950م، وعقب دورات العنف وحملات
الإرهاب التي قام بها أنصار الوحدة مع أثيوبيا – بالتعاون مع السلطات - ضد
المطالبين بالاستقلال، تدخل الشيخ إبراهيم إلى جانب بعض كبار رجالات الدين المسيحي
من اجل العمل على إعادة إحلال السلام بين الطرفين، وتم تأسيس جمعية في هذه الظروف
بهدف خلق وتفعيل الحوار الإسلامي-المسيحي(23).
|