|
الاضطهاد في ظل الحكم الأثيوبي:التظاهرات والمقاومة (1952-1969م).
من
بين أهم الأحداث التي أعقبت مداولات لجان الأمم المتحدة حول مستقبل إريتريا، تبني
الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثاني من ديسمبر 1950م قرارا أعتبر بمثابة حل وسط
نص على أن "تصبح إريتريا وحدة متمتعة بحكم ذاتي ومتحدة فيدراليا مع أثيوبيا تحت
سيادة التاج الأثيوبي". فالترتيبات الفيدرالية المتوقعة من قبل منظمة الأمم المتحدة
– والتي وضعت في 15 ديسمبر 1952م - منحت إريتريا دستورا مستقلا يؤسس لنظام حكم
ديمقراطي مع جمعية تشريعية منتخبة وسلطات تنفيذية وقضائية ذاتية. وكزعيم ديني، تمت
استشارة الشيخ إبراهيم رسميا من طرف لجنة الأمم المتحدة حول البناء السياسي الذي
يفترض أن يكون لإريتريا كطرف في اتحاد فيدرالي مع أثيوبيا. فعبر عن ميله
لأكبر قدر ممكن من الاستقلال الذاتي لمؤسسات الحكم الإريترية، وهو نفس الموقف الذي
عبرت عنه "الجبهة الديمقراطية الإريترية" التي تضم أحزاب الكتلة الوطنية المطالبة
بالاستقلال التام" (24). وقد اتضح فيما بعد سريعا أن تأسيس هذا الاتحاد
لم يكن سوى واجهة زائفة، حيث أن الحكومة الإمبريالية الأثيوبية وبدعم من العناصر
المؤيدة للوحدة في الجمعية التشريعية الإريترية الأولى ارتكبت العديد من الخروقات
القانونية التي يعتبرها الدستور الإريتري ممارسات لاغية. ومنذ العام 1955م، أصبحت
عملية تآكل الحقوق الدستورية اكثر انتظاما كما أصبحت وسيلة يلجأ إليها لإضعاف
كل أشكال التعبير المعادي لأثيوبيا.
وفي مثل هذا المناخ السياسي، أصبح مسلمو إريتريا – المعارضون في غالبيتهم للوحدة مع
أثيوبيا- خاضعين لنمط من القمع العنيف(26). وقد ساهمت عملية التفريق بين
الأديان- في ظل العهد البريطاني- في اعتبار جميع المسلمين عناصر تخريبية. كما أن
جميع مكتسبات الإصلاح المؤسسي التي قادها الشيخ إبراهيم في العقد السابق أصبحت
الآن مهددة، وتدهور بشكل
كبير، استغلال الحقل الإسلامي في البلد. فالمخالفات التي ارتكبت ضد النظامين
القضائي والتعليمي ومهاجمة حرية التعبير وتقييد حركة الناشطين في المطالبة
بالاستقلال، كلها عوامل كانت لها آثارها السلبية على المجموعات المسلمة في البلد.
هكذا مثلا تم حظر صدور جريدة "صوت الرابطة الإسلامية" واعتقال هيئة تحريرها في
ديسمبر 1954م. كما تم اعتقال الشيخ محمد عمر قاضي رئيس حزب "حزب الرابطة المستقلة"
ومحاكمته بعشر سنوات سجنا في العام 1958م، وفي العام نفسه تم اعتقال ومحاكمة الحاج
سليمان احمد عمر(27) بأربعة أعوام سجنا وهو الأخ الأكبر للمفتي العام
وأحد أبرز نشطاء الرابطة الإسلامية. كما تم اعتقال الشيخ إبراهيم سلطان من قبل
السلطات الأثيوبية،والشيخ إبراهيم سلطان هو مؤسس الرابطة الإسلامية وعضو في
البرلمان فضلا عن كونه زعيم "الجبهة الديمقراطية الإريترية"، وقد اضطرت هذه الظروف
الشيخ إبراهيم سلطان في مرحلة لاحقة إلى مغادرة البلاد واللجوء للسودان برفقة الشيخ
إدريس محمد آدم الذي كان فيما مضى رئيسا للجمعية الوطنية الإريترية.
وبرغم تقلص صلاحياته في هذه المرحلة،
إلا أن المفتي العام حافظ على مكانته ذلك أن النهج البراغماتي الذي انتهجه الشيخ
إبراهيم في ظل الحكم البريطاني، جعل السلطة الأثيوبية تفكر في إمكانية أن يكون وجود
المفتي العام مفيدا في استمالة الجانب المسلم. فمثل هذه التكتيكات كاستمالة أو
تقوية الرقابة على فئات الشعب كانت سياسة معتادة للإمبراطور هيلي سلاسي خلال هذه
الفترة. إلا أن التمييز المستمر ضد المسلمين ومؤسساتهم وبخاصة ضد "دار الإفتاء"
كانت النقطة التي أفاضت الكأس ودفعت المفتي العام للإسراع على المقاومة والاستمرار
في الاحتجاج ضد الخروقات المتتالية لحقوق المسلمين وكانت أولى القرارات المؤثرة ضد
الشيخ المفتي هي إلغاء الميزانية السنوية المقررة لدار الإفتاء خلال السنة المالية
1954-1955. ففي العام 1958م تم إلغاء العلاوة المخصصة لقاضي القضاة ليتم بعد ذلك
حذف ميزانيات إدارة المساجد ابتداء من العام 1959م.
كما واجه المسلمون كذاك العديد من
المعوقات فيما يخص التعليم. إذ في سنوات 1953-1955م لم يحصل الشيوخ المعينيين من
قبل الأزهر للعمل في إريتريا على تأشيرات الدخول من قبل السلطات في اسمرا، ونتيجة
لذلك أغلقت بعض المدارس و المعاهد الإسلامية التي تعتمد على خدماتهم. وظلت جميع
احتجاجات الشيخ إبراهيم وأعيان المجتمع المسلم في إريتريا دون أي تأثير. وفي العام
1957م تم إحلال اللغة الأمهرية محل اللغتين الرسميتين لإريتريا آنذاك، أي العربية
والتجرينية(28) .
وفي يناير 1958م تم حظر "رابطة
الشباب المسلم" وسجن جميع أعضائها. ومع ذلك يبدو أن السلطات لأثيوبية لم تنجح في
التدخل في إدارة الأوقاف.
في ظل هذه الظروف كان للشيخ إبراهيم
هامش ضيق للمناورة، وكان عليه أن يظل قانعا بالاحتجاجات اللفظية. وفي أواخر
الخمسينيات تدهورت العلاقة بين المفتي والسلطات المحلية وظهر نوع من الشك والاتهام
المتبادل بين الطرفين. وتشير السيرة الذاتية للشيخ إلى رفضه الميداليات والألقاب
الفخرية التي منحت له، كما تؤكد مقاطعته لبعض الاحتفالات الرسمية وتظاهره مع العامة
ضد السلطات في العديد من المناسبات الدينية. وفي العام 1960م كتب مقالا ظهر في بعض
صحف الأردن والمملكة العربية السعودية، هاجم فيه النظام والوجود الأثيوبي في
إريتريا وساوى بينه وبين "الاحتلال"(29). وقد أجبرته السلطات
الأثيوبية فيما بعد على التوقيع على مقال مضاد لما كتب وتم نشره في الصحافة
المحلية. ورغم استمرار سريتها النسبية أصبحت الأنشطة السياسية للشيخ إبراهيم ضمن
الحركات المطالبة بالاستقلال أكثر وضوحا من ذي قبل خلال هذه الفترة. فشهادة
الأستاذ: محمد سعيد ناود –أحد قادة حركة التحرير الإريترية التي تأسست في مدينة
بورتسودان السودانية في نوفمبر1958م كأول حركة تحرير مسلمة-
لا
تدع مجالا للشك في الأنشطة الوطنية للمفتي العام ودورها في خدمة هذه الحركة. وقد
كتب محمد سعيد ناود موضحا هذه النقطة، قائلا:
"كان المفتي العام لإريتريا، الشيخ
والمعلم إبراهيم المختار احمد عمر واخيه الحاج سليمان عضوان في حركة التحرير
الإريترية. وكان لكل منهما دوره الوطني البارز في هذا الشأن . ونظرا لحساسية وظيفته
الدينية كان المفتي إبراهيم المختار عضوا في الحركة في سنواتها الأولى، إلا انه مع
ذلك عمل في الخفاء على تنظيم وتوجيه الشعب من خلال الاتصالات الشخصية المباشرة.
وخلال مرحلة تقرير المصير، جعل المفتي العام من نفسه مدافعا نشطا عن الحرية
والاستقلال وعرفه الجميع بهذه الصفة. فالشيخ إبراهيم كان رجلا واعيا وذا نظرة
ثاقبة، لم يسمح إطلاقا بأن تعمل القضايا الصغرى على تقسيم المجتمع والحيلولة دونه
ودون تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى(30).
وفي العام 1962م، تبخر نهائيا وهم
الاتحاد الفيدرالي، إذ عمل الإمبراطور هيلي سلاسي على إلغاء الاتحاد وضم إريتريا
لتصبح عمليا الولاية رقم 14 في أثيوبيا. وقد أدى ظهور الحركات المسلحة ذات التوجهات
العربية – الإسلامية على زيادة الضغط وقمع الشعب الإريتري. وبالإضافة الى الصعوبات
ومعوقات العمل خلال الفترة الفدرالية التي مست القضاء والنظام التعليمي وإجراءات
الحج والعمرة فقد عرفت هده الفترة كذلك العديد من التجاوزات الخطيرة، كمصادرة
الأراضي وتأميم الممتلكات والاعتقالات غير الشرعية والمحاكمات الصورية. فقد عمل
الأثيوبيون خلال هذه الفترة على تشديد الإجراءات الأمنية في كامل الإقليم من أجل
قمع كل مظاهر العصيان الظاهرة والمحتملة.
وحسبما أشار الشيخ إبراهيم، فإن
الممثل الشخصي للإمبراطور هيلي سلاسي في العام 1960 "أسراتا كاسا"، قد هدده شخصيا
بالموت في مرات عديدة. وقد شهدت هذه الفترة ازدياد تدخل السلطات الأثيوبية في
الشؤون الإسلامية. فتم مثلا تغيير اسم المحكمة الإسلامية الشرعية في العام 1964م
إلى "مستشارية القضاة" وتم إزاحة اللغة العربية من الأختام الرسمية لصالح اللغة
الأمهرية بل تم إضافة صليب لهذه الأختام. وقد احتج الشيخ إبراهيم بقوة على هذه
الإجراءات وطالب الحكومة بضرورة احترام الشؤون الإسلامية. كما تم خلال هذه الفترة
اغتصاب حق تعيين القضاة من قبل ممثلي الإمبراطور في إريتريا وهو حق كان إلى ذلك
الحين بيد المفتي العام. وسعت الحكومة مرة أخرى لتعديل مناهج وبرامج المدارس
الإسلامية –فضلا عن ذلك ظهرت صورة متخيلة للنبي (ص) في أحد الكتب المدرسية – باللغة
الأمهرية- التي تناولت موضوع كبار رجال الدين في العالم، ومن بين ما جاء في هذا
الكتاب "أن القرآن كتبه محمد بيده" وأن النبي محمد (ص)" أخذ الدين الإسلامي عن
اليهودية والمسيحية"، وهو ما اغضب كثيرا الشيخ إبراهيم ودفعه لإصدار فتاوي وآراء
عديدة في هذا الشأن رد من خلالها على كل هذا التشويه والافتراء ضد النبي محمد (ص)
والدين الإسلامي. وفي العام 1966م تم إحلال اللغة الأمهرية مكان لغتي العمل
الرسميتين في البلاد- التجرينية والعربية- كما تم طرد ممثل الأزهر الشريف خارج
البلد. وعلى كل حال فإن الضغوطات التي مارسها الشيخ إبراهيم أتت ثمارها في بعض
الحالات ، إذ تظاهر الشيخ إبراهيم مع العديد من المسلمين في الثالث عشر من يناير
1966م –وكان يوم عيد الفطر- عند تضييق الخناق على المؤسسات الإسلامية، وأدى تكرار
هذا الموقف إلى إعلان الإمبراطور هيلي سلاسي عن ميزانية سنوية للمساجد والمعاهد
الإسلامية في إريتريا ثلاثون ألف بر (30000). كما نجح الشيخ إبراهيم أيضا من خلال
تظاهراته ومواقفه هذه، في الإبقاء على برامج التدريس في المعاهد الإسلامية.
في الخامس والعشرين من يونيو 1969م، توفي الشيخ إبراهيم المختار بمدينة أسمرا عن
عمر يناهز الستين عاما، ولا تزال أسباب وفاته غامضة إلى اليوم. فقد عانى قبيل وفاته
من ضعف وهزال شديد وحالة صحية تدهورت بسرعة وهو ما أدى ببعض الكتابات والشهادات
الشفوية إلى التلميح لفكرة إمكانية تسميمه من طرف الأثيوبيين. ونظرا للافتقاد التام
للدلائل حول هذا الموضوع، للمرء أن يتصور مثل هذا التفسير بمثابة محاولة رمزية
لتقوية السمعة التي بنت نفسها أو الحالة التي أحاطت بشخصية المفتي العام. وقد تم
دفن الشيخ إبراهيم بمدينة أسمرا في اليوم التالي لوفاته بحضور الآلاف من مناصريه
الذين أتوا من كافة أنحاء البلد لمرافقته لمثواه الأخير
|